ابن الجوزي
319
كتاب ذم الهوى
الباب السابع والثلاثون في ذكر ذم العشق اختلف الناس في العشق ، هل هو ممدوح أم مذموم ؟ . فقال قوم : هو ممدوح ، لأنه لا يكون إلا من لطافة الطبع ، ولا يقع عند جامد الطبع حبيسه ، ومن لم يجد منه شيئا فذلك من غلظ طبعه . فهو يجلو العقول ويصفّي الأذهان ما لم يفرط . فإذا أفرط عاد سمّا قاتلا . وقال آخرون : بل هو مذموم ، لأنه يستأسر العاشق ، ويجعله في مقام المستعبد . قلت : وفصل الحكم في هذا الفصل أن نقول : أما المحبة والودّ والميل إلى الأشياء المستحسنة والملائمة فلا يذمّ . ولا يعدم ذلك إلا الحبيس من الأشخاص . فأما العشق الذي يزيد على حدّ الميل والمحبة فيملك العقل ويصرّف صاحبه على غير مقتضى الحكمة ، فذلك مذموم ، ويتحاشى من مثله الحكماء . وأما القسم الأول فقد وقع فيه خلق كثير من الأكابر ، ولم يكن عيبا في حقهم . أخبرنا محمد بن أبي القاسم ، قال : أنبأنا حمد بن أحمد ، قال : أنبأنا أبو نعيم الحافظ ، قال : حدثنا أبو أحمد الغطريفي ، قال : حدثنا أبو الفضل محمد بن الفضل ، قال : حدثني محمد بن سعيد القزاز قال : حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الهذلي ، عن هشيم ، عن مجالد ، عن الشعبي أنه كان يقول : إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى * فأنت وعير بالفلاة سواء